ثقافة المقاومة و محاربة الاستلاب
بقلم : Imane (Genine al mghreb
كثر الحديث في الآونة الأخيرة في الأوساط الشعبية و السياسية عن المقاومة, هدا السلاح الذي أصبح الوسيلة الأولى المتعارف عليها و على قدرتها على دحر المحتل, خصوصا بعد النصر الباهر للمقاومة اللبنانية في الجنوب, و المقاومة الفلسطينية في إخراج المحتل من غزة, مما جعل هاته المقاومة خيارا سياسيا لعموم المجتمع الفلسطيني, و الذي صوت في أنزه انتخابات عربية, على الخيار السياسي المقاوم المتمثل في حركة المقاومة الإسلامي حماس.
كل هاته الانتصارات جعلت من المقاومة موضوع حديث لمعظم وسائل الإعلام العربية و الدولية, و خصوصا تلك التي تتبنى التوجه الإسلامي مرجعية أساسية لانطلاقها و حركيتها.
و لعل من أبرز ما يمكن ملاحظته بعد الانتصارات الأخيرة أن المقاومة, أصبحت نقطة الانطلاق لوحدة عربية و إسلامية, على الأقل على المستوى الشعبي, فأصبحت الشيء الوحيد الذي تتفق عليه الشعوب العربية و الإسلامية, و تجتمع على مدى نجاعته, و قدرته على تغيير مسرى الأحداث و التاريخ, هدا في الوقت الذي تعاني فيه النخبة الحاكمة, تفرقة يمكن أن تعتبر الأكبر على مر عصور عدة.
و إن حديثنا عن المقاومة يجلبنا إلى استحضار المقاومة بمختلف معانيها التي لا تحصرها في معانيها الحربية و القتالية, بل أيضا تعطيها أبعادا أكبر.
1. إسلام المقاومة
فالحديث عن المقاومة في الإسلام, يجعلنا نتحدث عنها بنوع من التركيبية, و الشمولية التي تستوعب ضمنها معاني تربوية ثقافية, سياسية, اقتصادية, و اجتماعية, و عقدية أيضا.
فالإسلام عند نزول الوحي مثل حركة تجديد و تحديث, مستندة على فكر مقاوم لأنماط التفكير الرائجة آنذاك في عصر الجاهلية, و المتمثلة أساسا في الشرك بالله, و تقديس القبيلة بما فيها من تقديس لرابطة دموية تستدعي إلغاء كل الروابط الأخلاقية و الإنسانية, و خصوصا في حالة الخلاف مع قبيلة ثانية, و العبودية, ووأد البنات... كما أن الإسلام بشرائعه تطلب شكلا جديدا من أشكال المقاومة, كان مقاومة العقل و القلب الإنساني للنفس البشرية, و الشهوات و الغرائز غير المقننة, و التي تسمو بالسلوك البشري إلى سلوك أكثر رفعة, و تنزهه عن السقوط إلى درجات تشبهه أكثر بالحيوان.
لدلك, فقد تطلبت الرسالة الإسلامية جلدا, و قوة, ليس من الصحابة المعتنقين بداية لهاته الديانة, و خصوصا في الصبر و احتمال العذاب الذي تعرضوا له, لكن أيضا من الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم, الذي كان مبادرا في التشهير بإسلامه و نبوته, و توحيده, و نبده للأفكار السائدة آنذاك, و الذي كان مطالبا منه توقع, و احتمال جميع أنواع التعذيب, و المضايقات.
و لهدا, فإنه ليس من الغريب أن يختار الله لرسالته, شخصا مقاوما بطبعه, لم يسجد قط لصنم, و لم تعانق شفتاه الخمر أبدا, و لم يكن زانيا, و لا فاسقا, و لا زير نساء. و حتى من ظهرت فيه هاته الطباع, أو بعضها من الصحابة قبل البعثة, فقد جعلتهم المعاني الجديدة من المقاومة يظهرون على عطاء أكبر, و قدرة أكبر على أن يكونوا قادة للمسلمين, لا بل للبشرية كلها.
و من الأمثلة التي يمكن ذكرها في هذا الصدد, هو حكاية الصحابة عند بعثة الرسول صلى الله عليه و سلم, و ما بدا منهم من تفاني لخدمة الدعوة, فقد كان بلال بن رباح رضي الله عنه, قائدا لم يسبق التاريخ أن صنع مثله, فقد كان هدا الصحابي الجليل مباشرة بعد إسلامه أكثر فهما و استيعابا للمشروع الإسلامي في كليته, من المسلمين الحاليين, فلم يكتفي بالإسلام, اختيارا له فقط, و لم ي}من بقلبه فقط بأن الإسلام ينبذ العبودية, و يدعو إلى المساواة, و هو الذي كان بإمكانه أن يكتفي بهذا, بل قام و قاد أول حملة تاريخية ضد العبودية, و كان أول من دعا إلى تحرير العبيد, وكل هاته الأمور لم ينجزها بأقواله, بل بأفعال أبرز بها عن تمرده, ضد أنظمة تسلب الإنسان حريته, و تجعله عبدا لأخيه الإنسان بمنطق اللون أو العرق, و هو بكلمة "أحد, أحد" التي كان ينطقها عندما وضع الحجر على صدره, كان يبرز أنه أدرك فكرة إسلامية إنسانية, تجعل العبودية للخالق وحده, و تمجده, أكثر مما تمجد المالك. لقد كان على بلال لكي ينجح حركته التمردية, ليس على شخص بل على مفاهيم, و معتقدات, أن يصبر على الأذى, و أن يقاوم مالكيه مقاومة, تطلبت منه التغلب على ألم جسده, و على نفس ربما كانت تدعوه إلى العدول عن فكرة التمرد, التي أصبح بها قائدا و رمزا لتحرر السود, و نبد العبودية, يفتخر باعتزازه بالإسلام, و بانتمائه لدين حرك فيه كل قدراته المقاومة, كما يفتخر كل المسلمين بانتماء بلال لهم.
و لقد كان لهدا الدين العظيم الفضل في جعل هاته الحركة, تدوم حتى القرن العشرين, و لم يوقف هدا الدين المقاوم, دفعه للناس إلى فاعلية و إيجابية أكبر, فكان قائد تحرير السود في الولايات المتحدة الأمريكية مسلما.
2. جهاد و مقاومة
و في الوقت الذي تبنت الإنسانية كلها المقاومة كمصطلح, فإن الإسلام أعطى لهدا المصطلح معنا أكبر و ألطف يجعله أكثر قوة على مستوى شموليته و فاعليته, و أكثر ارتباطا بالمشروع الإسلامي ككل, و هو الجهاد, فكانت مقاومة الشهوات, و النوازع البشرية غير السامية مجاهدة للنفس, و هو بدلك يربط المقاومة بأبعاد أخلاقية أكبر و أسمى متعلقة بخلق الصبر و الرباط, و الارتباط بالخالق و الذي تكلم عنه القرآن الكريم. حتى الجهاد بالسيف ارتبط بمعاني أكبر و أشمل, و جعل الإسلام الجهاد بمعناه القتالي جهادا بالنية, و القول, و المال, و النفس, و الولد, و لم يحصره في جهاد بالسلاح أو السيف, حتى المبادرة و السبق, في الإسلام يعتبر جهادا ففي سورة الحديد يبين الله أن الجهاد بعد الفتح بالمال لم يكن له نفس درجة الجهاد قبل الفتح, (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا) (الحديد 10). و هذا الأمر أكثر مما فيه من الجهاد و المقاومة بالسيف, فيه مقاومة للقلب, و الكسل, و الخمول, حتى في الحرب و القتال الذي اعتبره القرآن الكريم كرها للمسلمين, (كتب عليكم القتال و هو كره لكم) (البقرة 216).
3. شمولية المعنى, و وحدة التصور
v النموذج الهندي
إن نموذج المقاومة الهندية هو مثال يبين بشكل قوي مدى قدرة المقاومة بمعانيها الشاملة, أن تكون أحيانا أكثر قوة من المقاومة بالسيف, أو السلاح, فالمقاومة السلمية و السلبية التي انخرط فيها الشعب الهندي بعفوية كبيرة, تحت قيادة غاندي كان له تأثير فعال على مجرى الأحداث في الهند و بريطانيا بل في العالم كله, فالإمبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس, فقدت نافدة كانت تشرق الشمس منها عليها, و كان فقدان بريطانيا للهند فقدان لجزء كبير من الثروات التي كانت تعول عليها في اقتصادها, و إنتاجها.
و المقاومة التي أنتجت نصرا بهذا الحجم, لم تكن إلا مجاهدة للنفس الإنسانية, فمن الأمور التي دعا إليها غاندي مقاطعة الثقافة البريطانية, مما جعله يعود إلى لباس قديم نسبيا يحمل دلالات ثقافية دينية, لها تأثيرها على الهنديين, كما دعا إلى مقاطعة الملح رغم أهميته في الطعام إلا لأنه كان يصنع بأيدي المستعمر, مما جعله ينظر لمقاومة اقتصادية شاملة لم تكتفي بالمقاومة نفسها, بل بصناعة بدائل تؤسس لاستقلال اقتصادي على الأقل على المستوى الشعبي, و دلك بدعوة الناس لصناعة الملح بأيديهم, مما كان تحديا كبيرا للمستعمر و للنفس البشرية التي تسعى للخمول و الكسل, لم يكن الأمر كافيا بالنسبة لغاندي, فهدا الأخير قرر مقاومة جميع غرائزه الجنسية حتى المباحة منها في ميزان الدين بالنسبة إلينا, و إليه أيضا. فقد اعتزل غاندي زوجته, و كان يعتبر أن عدم إقامة علاقات جنسية, يعتبر أول بداية لنجاح الإنسان في حياته, كما قلص غاندي من ساعات نومه, ونقص من متع الحياة التي يمكن أن يعيش فيها, فكان يلتحف الأرض, و يعيش على القليل من المال. وإن كنا نختلف مع غاندي في الغلو الذي أطره عند الممارسة, و الطريقة, فإننا نتبنى نفس النهج الذي يعتبر بداية الطريق نحو النصر على العدو هو النصر على النفس. أما في ما يتعلق بالمقاومة نفسها, فهي انبنت على نوع من أنواع المقاومة, بحيث تجاوز غاندي ردود الفعل الفردية التي تأتي تلقاء للألم الذي يتلقاه الفرد, و التي يمكن أن تنتج عنها مبادرات مقاومة تجني على استقلال الشعب الهندي, أي أن النضال ضد الاستعمار لم يكن مجموعة من تراكمات ردود الأفعال الفردية, لكنها كانت عبارة عن عمل جماعي مقنن, له ضوابطه و خطوطه المؤطرة, و يتبنى وحدة في التصور على مستوى الطريقة التي يمارس بها النضال, فكان غاندي عند تبنيه منهج المقاومة السلمية, يتبنى خطا مقاوما يبدأ من مقاومة النفس التي تدعو الشخص إلى ردود أفعال عنيفة فورية و غير مقننة, و لا تتميز بالدوام و الاستمراري, بل بالعبثية, و التجرد من خط ناظم, و رؤية بعيدة المدى مستشرفة لما يمكن أن يحدث من أحداث في المستقبل. و بالتالي فإن قوة المقاومة الهندية كانت في قدرتها على توحيد و تنظيم الصف الداخلي, الانطلاق من الهوية و الذات, و العودة إليها, و التجرد من الفردانية و الأنانية حتى في التعامل مع قضية تحرير الوطن.
v إسلام حي!!
إن شمولية مفهوم المقاومة, و أهمية أخد هاته الشمولية بعين الاعتبار هي أول خطوة من أجل التأسيس لمقاومة راشدة, قوية, و قادرة على تخطي الحدود الجغرافية من أجل التأثير في مجرى العالم و التاريخ. فالمقاومة الاقتصادية التي عاشها العالم جراء الرسوم الكاريكاتورية التي تم نشرها عن الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم, و التي أطلقها المسلمون ضد البضائع الدنمركية من الألبان و مشتقاتها, خلفت شيئا أكبر و أقوى من الخسائر التي تكبدتها الشركات الدنمركية, و هو النقاش العالمي العام و الكبير و الشامل حول مدى قوة المسلمين, و مدى ارتباطهم بهويتهم, و ثقافتهم و دينهم. و لم تكن الصدمة قوية على الغرب الذي عندما برر تصرف الصحيفة بحرية التعبير و الرأي, قوبل برد أقوى من المسلمين, خلق نقاشا كونيا آخر, و هو حول معاداة السامية و مدى قدرة الغرب على التعامل مع المسلمين بنفس الشكل الذي يتعامل به مع اليهود, مما أعطى فكرة واضحة عن مدى عنصرية الفكر الغربي, و مدى قدرته على مواجهة هدا النقاش بنقاش فكري آخر, و ليس بقوانين و تشريعات دولية تكرس عنصرية الغربية و كراهيته للإسلام, بل و خوفه من دين عظيم أصبح يشق الآفاق بفكره و مدى قوة تصوراته و نظرياته.
و إنه من الغريب أن يناقش بعض الأفراد في مدى نجاعة و قدرة المقاطعة الاقتصادية للمنتجات الصهيونية و الأمريكية, فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية, في الوقت الذي يتبنى فيه هؤلاء الأفراد هدا التوجه عندما يتعلق الأمر بسب الرسول صلى الله عليه و سلم, الأمر الذي لا ينم عن اختلاف بين الحالتين, بل عن خضوع كبير لدى عدم الموافقين على المقاطعة الاقتصادية لأمريكا, بحكم أن هاته الأخيرة لا تنتج الألبان فقط, بل تنتج منتجات أصبحت جزءا من وعي و ثقافة المستهلك العربي, و أصبحت مرافقة له في جميع تحركاته و سكناته, لأنها تتعدى نطاق الأغذية لتشمل التكنولوجيا و الصناعات الثقيلة و بعض المجالات الثقافية و التواصلية.
لقد علمتنا و علمت أحداث الرسوم الكاريكاتورية الغرب درسا لا يمكن نسيانه, و هو أن الأمة الإسلامية مهما ضعفت اجتماعيا, سياسيا و اقتصاديا, فإنها لا يمكن أن تنسى دينها, و أنه يعتبر أكثر من حافز للمقاومة و النضال لديها, فهو أيضا عامل يؤسس لوحدة وجدانية ثقافية تنبذ اللون و الطائفة و العرق و الأصل لتعتز بالدين كأول عنصر من عناصر التلاحم, و كأول دافع يمكن أن لا يكون فقط يوحد على مستوى الوجدان لكن على مستوى ردود الأفعال, و المشاريع و الرؤى, و تزداد خطورة هاته الوحدة على الغرب عندما تكون عفوية تلقائية, مشتركة, و خارجة عن إرادة الحكام المنبطحين, بل متجاوزة لهم, و لسياساتهم, كما تصبح عاملا يرغم الحكام على الخضوع لإرادة شعوبهم, و تسجيل مواقف موافقة لما تريد مجتمعاتهم, يمكن أن تكون الأكثر شجاعة على مستوى التاريخ الحديث للأمة الإسلامية.
لم تكن المقاطعة, أو المقاومة الاقتصادية النتيجة الوحيدة للرسوم لكن, أسست محنة المسلمين في داك الوقت لميلاد حركة مقاومة على المستوى الفني, الغنائي, الشعري, الإعلامي, و الصحفي. ففي الوقت الذي يستعمل فيه الغرب الغناء و الفن, و خصوصا العربي منه في إغفال الشعوب, و تكريس تبعيتهم, بخرج و مغنون لم يعرف عنهم أنهم كانوا يقدمون فنا راقيا, و لا يمثلون المسلمين عن طريق غنائهم في شيء ليكسروا القاعدة, و يظهروا للعالم أنهم مهما بعدوا عن قضايا الأمة, فإن الدين بالنسبة لهم مقدس لا يمس. و مهما كانت مؤاخذاتنا على هدا النوع من ردود الفعل فإنها تبقى أشكالا مقاومة لإرادات غربية, تريد أن تسلب الأمة هويتها, و تاريخها, و حبها لدينها. و لنفس الأمر فإننا نتفهم الحرب الدائرة على الإسلام, و المعادية له, فإن كانت التفرقة أول عامل من عوامل نجاح المخططات الاستعمارية, فإن الأجدى ضرب أول عامل من عوامل الوحدة, و عندما ضربت كل هاته العوامل, بقي الإسلام في آخر المطاف عاملا للوحدة تتطلب منا الحاجة إلى تفرقة المسلمين القضاء عليه, و دحره, الأمر الذي كانت استحالته ظاهرة لدى الغرب عند حادثة الرسوم الكاريكاتورية.
ومما يثير الشفقة, أنه رغم النجاح الباهر للمقاومة الاقتصادية و الفنية الشعبية بعد حادثة الرسوم الكاريكاتورية, فإن حكامنا ظلوا عاجزين عن التحرك بشكل إيجابي يخدم الأمة. فأي نوع من أنواع المقاومة, يمكن أن يكون وسيلة تستغلها الحكام لفرض شروط اقتصادية, و سياسية على الغرب, و يمكن أن يكون ورقة رابحة في الصراعات العربية و الإسلامية, الشيء الذي لم تختفي بعد سذاجة حكامنا, حتى يتمكنوا من استيعابه, و فهمه.
v مقاومة الاستلاب
رغم كل ما ذكرناه عن يقظة الأمة, فإن الأمة التي لا تتحرك إلا بالمحن أمة تبقى عاجزة عن النهوض و التقدم من جديد, لأنها ستكون أمة في حاجة لكل مرة إلى محنة تستفيق بها من سباتها, كما أن الاستفاقة نتيجة لمحنة تكون استفاقة عاطفية مؤقتة تزول بزوال المحنة. هدا الأمر الذي ليس غريبا على الغرب الذي عوض أن يجعلنا نعيش في المحن, فإنه يضطرنا, أو يدفعنا إلى اضطرار أنفسنا, إلى العيش في النعيم و الدلال عن طريق جميع أدوات الاتصال, و المعرفة الرقمية, و المأكولات و اللابس الجاهزة, و ما يحركهم من موضة, و إعلام و ثقافة, أي أنها تصنع للفرد ثقافة مادية مكونة من تراكمات ثقافية و اقتصادية و صناعية تجعل الفرد غير قادر على العيش دونها, وأي أنها تسلب المرء الإرادة و العزيمة الكافيتين للمقاومة, و عندما تغيب العزيمة و الإرادة يغيب الفعل و العمل. و في ظل ما نعيشه من تأخر في مجال الاختراع و البحث العلمي, فإن ما يرسله إلينا الغرب يبقى متشبعا بثقافته هو, أو بمعنى أفضل, بما يريد أن يرسله لنا من ثقافة, و هو بالتالي يمنحنا ثقافة مادية لها حمولات فكرية و ثقافية أيضا تفصل بين الإنسان و ثقافته الأم, و تسلبه القدرة على المقاومة, خصوصا إدا سلبته القدرة على الاعتزاز بالخصوصيات.
ما يمكن أن نكدر في هدا الصدد, هو المثال الصومالي, فرغم ما تعانيه هاته الدولة من فقر و مجاعة, و رغم أن هاته الأرض كانت و مازالت مكانا مناسبا لأنواع عديدة من الكوارث و الأزمات, إلا أن شعبها ظل عصيا على أكبر دولة و أعظمها في هدا القرن, ليس للسلاح الذي يستعمله الصوماليون, و لا لحجم المساعدات التي يتلقونها, ولكن لأنهم بكل بساطة أشخاص غير مستلبين, بتكنولوجيا, أو صناعة, أو مال, و مثل هاته الشريحة من الأفراد تكون لها إرادة صحيحة, يمتلكونها هم, و لا تكون من صناعة قوة أخرى, سواء كانت هاته القوة ذات طابع إعلامي, اقتصادي استهلاكي, ثقافي فكري... هدا لا يعني أن صناعة الإرادة تعني العيش في عصور التخلف, و الرجعية, لكن استعمال الوسائل الحديثة, و العيش الرغيد لا يعني أن يكون الإنسان مستلبا به, ففي ظل التبعية التكنولوجية التي نعيشها تبقى وسائل الاستقلال الذاتي و النفسي, الذي يجب أن يسبق أي استقلال اقتصادي تكون صعبة المنال.
v ثقافة مقاومة, فكر مقاوم
إذا استطعنا أن نؤسس لثقافة و فكر مقاومين يمكن أن نصنع عملا مقاوما و دلك لأنه ليس هنالك عمل دون ثقافة, و إدا أردنا أن نصنع في مجتمعاتنا الإسلامية نخبة مثقفة تستطيع على الاجتماع على مفهوم موحد للمقاومة, و استطاعت هاته النخبة أن تكون نخبة قادرة على تأطير المجتمع وفق هاته الرؤية الجديدة و الموحدة, بعيدا عن الخلافات الإيديولوجية التي تعيشها و تعاني منها, و اتلي تثقل كاهلها على الشعوب أمكن بدلك للمجتمعات الإسلامية التطور و التقدم. فاختلافنا و عدم توحدنا حول مفهوم موحد للمقاومة, و خصوصا عند الشريحة المثقفة الإسلامية, يضعنا كمسلمين في حرج كبير, و هو اختلاف ليس كباقي الاختلافات الفقهية أو الثقافية المحمودة و التي تختلف في المتغيرات, بل هو اختلاف مذموم و هدا راجع إلى أن رسالة الإسلام كما سلف الذكر رسالة مقاومة بالأساس, و اختلافنا هدا هو اختلاف في ثابت من الثوابت الذي يجعل اختلافنا يمس عمق الشريعة الإسلامية و مرتكزا هاما من مرتكزاتها.
4. مقاومتنا, و القضية:
في نهاية المطاف, إذا أردنا أن نربط ما سلف ذكره في القضية الفلسطينية, فإن أسباب النصر للقضية ما تزال غير مكتملة بالشكل المطلوب, فعقيدتنا علمتنا بأن للنصر أسبابا, يجب أن تتوفر, فلله لكي ينصرنا اشترط علينا أن ننصره, و هدا الأمر منوط بمدى قدرتنا على التمثل الكامل و الدائم للمقاومة بشتى معانيها, و أنواعها, و أشكالها, تمثلا يتجاوز المحنة, و يدوم حتى عندما تزول الشدائد.
فكمسلمين لا يجب علينا التعامل بمصلحية, و براكماتية مع المقاومة, أي أن لا نقاوم إلا عندما نكون في حاجة إلا المقاومة, بل يجب أن تكون المقاومة بالنسبة إلينا نمط حياة, و مسارا, و منهجا مؤطرا, و حياة نعيش بها و عليها. إن أي هزيمة للقضية الفلسطينية فهي ليست هزيمة للفلسطينيين لوحدهم بل للإسلام ككل, أي أن أي تقصير في القضية لا يحاسب عليه الفلسطينيون وحدهم, لذلك فإن أسباب النصر, و النصر ذاته, لا يصنعه الفلسطينيون وحدهم, و مهما استحضر هؤلاء أهمية المقاومة بجميع معانيها و تجلياتها, فإن تحرير الأقصى الذي هو غاية المسلمين جميعا لن يكون له وجود دون أن تكون المقاومة عامة شاملة, غير مقتصرة على الفلسطينيين بعينهم.
إننا أمة واحدة, مسارنا واحد, وجهتنا واحدة, ديننا و عقيدتنا واحدة, و وحدة تصورنا, و رؤيتنا يجب أن تعكس هاته الأنواع من الوحدة, حتى نؤسس لمستقبل واحد مشترك, يكون كل فرد قد ساهم في وضع لبنة من لبناته, و يكون نتيجة لتراكمات فكر, و ثقافة, مؤسسين لعمل مشترك, يتبنى نفس التوجه, و نفس الطرح.